محمد جمال الدين القاسمي
47
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بهذا الطعام والشراب ، ما يغذّيه اللّه به من المعارف ، وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته ، وقرة عينه بقربه ، وتنعّمه بحبّه ، والشوق إليه ؛ وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلب ، ونعيم الأرواح ، وقرّة العين ، وبهجة النفوس والروح والقلب . بما هو أعظم غذاء ، وأجوده ، وأنفعه . وقد يقوي هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام مدّة من الزمان . ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيوانيّ . ولا سيما المسرور الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرّت عينه بمحبوبه ، وتنعّم بقربه والرضاء عنه . وألطاف محبوبه وهداياه وتحفه تصل إليه كلّ وقت . ومحبوبه حفيّ به ، معتزّ بأمره ، مكرم له غاية الإكرام مع المحبة التامة له . أفليس في هذا أعظم غذاء لهذا المحبّ ؟ فكيف بالحبيب الذي لا شيء أجلّ منه ، ولا أعظم ، ولا أجمل ، ولا أكمل ، ولا أعظم إحسانا ، إذا امتلأ قلب المحبّ بحبّه ، وملك حبّه جميع أجزاء قلبه وجوارحه ، وتمكّن حبه منه أعظم تمكّن ؟ وهذا حاله مع حبيبه . أفليس هذا المحبّ عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلا ونهارا ؟ ولهذا قال : إنّي أظلّ عند ربي يطعمني ويسقيني . ولو كان ذلك طعاما وشرابا للفم - كما قيل - لما كان صائما . فضلا عن كونه مواصلا . كذا في ( زاد المعاد ) . وقد روى ابن جرير عن عبد اللّه بن الزبير وغيره من السلف ، أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة . وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم . لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة واللّه أعلم . قال ابن كثير : ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشاديّ من باب الشفقة . كما جاء في حديث عائشة « 1 » : رحمة لهم . فكان ابن الزبير وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشّمون ذلك ويفعلونه . لأنهم كانوا يجدون قوة عليه . وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس : هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غيره . فحرم اللّه عليه أن ينكح النساء ليلا أو نهارا حتى يقضي اعتكافه . وقال الضحاك : كان الرجل إذا
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الصوم ، 48 - باب الوصال ، عن عائشة : قالت : نهى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم عن الوصال ، رحمة لهم . فقالوا : إنك تواصل ؟ قال « إني لست كهيئتكم . إني يطعمني ربي ويسقين » . وأخرجه مسلم في : الصيام ، حديث 61 .